عروبة وإسلام في كليهما
محمد أمير ناشر النعم
وقّع الرئيس أحمد الشرع في 13 مارس/آذار 2025، إعلانا دستورياً يحدّد مدة المرحلة الانتقالية في البلاد بـ 5 سنوات، وانقسم السوريون حوله ما بين مؤيّد ومعارض، ولا سيّما حول المادّة الأولى التي وصفت الجمهورية السورية بالعربية، والمادّة الثالثة التي نصّت على أنّ دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع.
وباعتباري مواطناً سورياً فإنّني أودّ أن أدلي بدلوي حول هاتين المادّتين بين الدلاء، أما بقية موادّ الإعلان الدستوري فيتحدث عنها أهل الدراية وأرباب الاختصاص.
الأكراد والهوية العربية:
اعترض كثير من الإخوة الأكراد على المادّة التي حدّدت اسم الدولة بــ (الجمهورية العربية السورية)، أي: أكّدت صفة العربية في اسم الدولة، ورأوا في ذلك نفياً لكرديتهم، وتجاوزاً على حقّهم، وإكراهاً لهم في حمل هوية مغايرة.
وهنا لا بدّ من الإشارة أولاً إلى تعرّض الشعب السوري في الستين سنة الأخيرة إلى ظلم لا يُجارى، وأذىً لا يُبارى، وإضرارٍ باغٍ، واضطهادٍ طاغٍ، وإذا كان العرب السوريون قد تعرّضوا لكلّ ذلك تعرّضاً مفجعاً فالأكراد السوريون تعرّضوا له تعرّضاً مضاعفاً. ظُلموا بوصفهم سوريين، ثمّ ظُلموا مرة أخرى بوصفهم أكراداً، ولسنا هنا في وارد تفصيل صور هذا الظلم اللئيم الذي عمّ وطمّ، وأمام هذه المحنة فإنّ من واجب الدستور السوري أن يُسهم في إنصافهم، وردّ اعتبارهم، في دولة الحريات والمواطنة، وتمكينهم من حقوق المواطن في تجلياتها كافّة لا ينقص منها حق، ولذلك فنحن نتفهم حساسية الكردي حين يرفض كلمة (العربية) في وصف الدولة، بعد أن غدت كلمةً تنزّ منها تجربةٌ مريرة في ظل حكم البعث البائد، غير أنّ تحميل هذه الكلمة وزر الجريمة البعثية فيه نظر، فالأكراد في العراق حين حكمه البعث تعرضوا لما تعرض له إخوانهم في سوريا علماً أن الجمهورية العراقية خلت من كلمة العربية.
عندما يقول الكردي: “أنا لستُ عربياً” فهو محقٌ من حيث نفي الانتساب العرقي، ولكنّه مخطئٌ من حيث نفي الانتساب الثقافي التاريخي، وهو عندما يصرُّ على هذا النفي يرفض ميراثاً غنياً ثرياً وافراً زاخراً.
فالكردي الذي يرفض الهوية (العربية) ثقافياً يمزّق بيديه إهابه الأقرب إليه زمناً على مدار أكثر من ١٤٠٠ سنة، ويحرم نفسه من مساهمته الحضارية في هذه المدّة الزمنية التي هي من أهمّ المساهمات الثقافية العالمية! فما كتبه الكرد وأنجزوه باللغة الكردية على مدار تاريخهم السابق لا يمكن مقارنته بما كتبوه باللغة العربية، وذلك لسببين:
الأول: أنّ الكردي في تاريخه الإسلامي لم يشعر بالتناقض بين هويته العرقية التي ينتمي إليها نسباً وهويته الثقافية الدينية التي ينتمي إليها محيطاً ومجالاً، بل كان بسعته وحصافته وانفتاحه يؤمن بهويته المركّبة ويفتخر بها. هذه الهوية التي تغتني في كلّ وصف جديد يُضاف إليها، كما يغتني الجناح في كلّ ريشة تنبت له. نقرأ في نهاية كتاب رحلة طه الكردي الباليساني في العراق وبلاد الشام والأناضول ومصر والحجاز، الذي انتهى منه سنة ١٧٨٩م: “انتهى تحريره على يد محرّره الفقير طه بن يحيى بن الأمير سليمان بن الأمير محمد علي بيك […]، المأمومي الكردي اليمني، الشافعي مذهباً، والقادري طريقةً، والإبراهيمي ملةً، والمحمدي أمةً، والباليساني بلداً، والخشناوي عشيرةً، والشامي مهاجراً، والحمد لله أولاً وآخراً”([1])، وما أغنى هذه الشخصية الكلاسيكية! وما أغزر هذه الهوية المركّبة المنصهرة في بوتقة واحدة! وهذه الشخصية كانت النموذج المعمّم في هذا الحوض الحضاري الذي يتلاقى فيه الكردي والعربي والفارسي والتركي إلخ، بل هي الهوية المركّبة لبلاد الشام/ سوريا، التي تقع فيها الهوية العربية الإسلامية كاللون الأساس في اللوحة، ثمّ تأتي بقية اللوينات الأخرى فتمتزج به وتعطيها فرادتها وجمالها وبهاءها.
الثاني: أنّ اللغة العربية أسعفت الكردي بانضباطها معجماً ونحواً وصرفاً وفقهاً وإملاءً، وهو انضباط سبق انضباط اللغة الكردية بأكثر من ألف عام، فأتاحت له بحبوحةً في الكتابة وبُلَهْنية في التأليف، بل كان هو نفسه أحد المساهمين في ضبط هذه اللغة وصقلها وارتقائها، إلى جانب الكتّاب الآخرين من الفرس والعرب والأمازيغ إلى آخر ما هنالك من قوميات.
لقد كان الكتّاب والمؤلفون الكرد تاريخياً عرباً في الكتابة، عرباً في التذوّق الأدبي، عرباً في التبني الفكري والثقافي، عرباً في أسمائهم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تُستقصى، وحسبنا أن نشير ههنا إلى قاضي القضاة في مدينة دمشق أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلِّكان الذي يُنسب إلى قبيلة الزرزارية الكردية، مؤلف كتاب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، وقد وصفه الإمام الذهبي بقوله: “كان بصيراً بالعربية، علاّمة في الأدب”([2])، ولذلك فنحن في كتابه هذا لا نقرأ تاريخ شخصيات يترجم لها فقط، بل نقرأ كنزاً أدبياً حقيقياً تتجلى فيه ذائقة ابن خلكان العالية في الأدب العربي، فهو عندما يختار المقطوعات الأدبية شعراً أو نثراً من أقوال من يترجمهم، ويستعرض آثارهم، يدلّل في الوقت نفسه على ذائقته العربية العالية، وحسِّه الأدبي النقدي المرهف.
ونشير أيضاً إلى نموذج آخر هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي، المعروف اختصاراً باسم ابن الصلاح الذي ولد في شهرزور، ثمّ استقر بعد تنقلات عديدة في دمشق، وصار شيخ المدرسة الأشرفية، وهذا الرجل هو نقطة علّام في علوم الحديث النبوي، ومقدمة ابن الصلاح في مصطلح الحديث تضارع مقدمة ابن خلدون في علم الاجتماع أهميةً ومكانةً، وكان أحد شيوخ ابن خلكان، ويصفه في كتابه وفيات الأعيان بأنّه “من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم […]، وأحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة”([3])، وواضح هنا أنّ المقصود باللغة اللغة العربية.
أما المثال الأخير الذي لا أرتضي إغفاله فهو الملك أبو الفداء الحموي إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب الأيوبي، صاحب كتابي المختصر في تاريخ البشر، وتقويم البلدان، وهذا المؤلِّف الكردي من أهمّ العقول الكردية نسباً، العربية كتابة وتفكيراً، والإنسانية توجّهاً، ولذلك عرفته أوروبا معرفةً ليست أقل من معرفة العرب به، إلى درجة أن شيخ المستشرقين الروس كراتشكوفسكي قال عن كتابه تقويم البلدان: “إنّه لم يَفُقْه في الشهرة هناك [أي: في أوروبا] إلا مصنفان في اللغة العربية بأجمعها: القرآن وألف ليلة وليلة”([4]).
هذه أمثلة لشخصيات كردية علمية عظيمة هي السلف الأقرب للعرب والأكراد معاً جنباً إلى جنب مع العلماء والشعراء الأكراد القلة ممن كتبوا باللغة الكردية والعربية، مثل: بابا طاهر الهمداني، والبدليسي، والجزيري، والخاني وسواهم، ولا نغفل هنا عن ذكر الحكّام الأكراد وعلى رأسهم السلطان صلاح الدين وأولاده، والأسر والسلالات الكردية الحاكمة الأخرى، كالشداديين، والحسنويين، والمروانيين، التي كانت ترعى العلم والعلماء من كافّة الأعراق، كابن شداد، وعماد الدين الأصفهاني، والقاضي الفاضل، ومئات العلماء الآخرين، وتَكْفَلُهم وتموّل تآليفهم وأعمالهم العلمية العربية الإسلامية، ولو راجعنا أسماء أمراء هذه السلالات الكردية فسنجدها في معظمها أسماء عربية، مثل أسماء العلماء الأكراد المذكورين للتوّ، لاعتزازهم بالهوية العربية الإسلامية، وليس لأنّ موظّف النفوس البعثي كان يجبرهم عليها، أسماء من قبيل: المهلهل بن محمد، وأبو الفتاح محمد بن عناز، وظاهر بن هلال بن بدر، وأبو علي الحسين بن مروان، وأبو النصر أحمد بن مروان، وصلاح الدين بن يوسف بن نجم الدين بن أيوب، وعثمان بن صلاح الدين، وناصر الدين محمد بن سيف الدين… إلخ، وهكذا نرى أن العربية هي جزءٌ أصيل في الهوية الكردية، وليس مفتعلاً ولا طارئاً ولا عرضياً ولا استثنائياً. الطارئ والعرضي والاستثنائي هو الحالة المعاصرة المتنكّرة لهذا التاريخ الطويل الممتد لأكثر من ألف عام، ومن السهل هنا سرد مسوغات هذا التنكّر، والدفاع عنه بدافع القومية تارةً والإيديولوجيا تارةً أخرى، ولكنّها تظلّ مجرّد مسوغات لا تستوعب فداحة هذا التنكّر الذي يسلب من أمة كاملة تاريخها، ويحرمها منه، ويجهّلها به، تماماً كمن يهدم أساس بيته ليعمّر حيطانه وسقفه!
إنّ الكردي عندما يتقبّل الهوية العربية بوصفها جزءاً من تاريخه الثقافي لا يعترف بتاريخه فقط، بل ينفتح على الغالبية العظمى من الشعب السوري، وينفتح أكثر على ما يتيح له الانخراط في عالمٍ رحيب كعالمه الكردي نفسه، عالمٍ ممتد يعادل قارة بأكملها، بما يحمله هذا الامتداد من إمكاناتٍ تشاركية وتفاعلية ثقافةً واجتماعاً واقتصاداً.
دين رئيس الدولة الإسلام:
ويعترض بعضهم على هذه المادّة بأنّ غير المسلم السوري لن يكون في مقدوره أن يترشّح للرئاسة، وهذا اعتراض مهمٌ ومُحقٌّ، ويخدش في المساواة التي نتطلع إليها، غير أنّنا في المقابل لا نستطيع أن نقفز على الواقع، ولا أن نتجاوزه، فنحن في دولةٍ أغلبية شعبها مسلم، ويجب مراعاة هذه الأغلبية لسبب جوهري هو إضفاء الشرعية على مقام الرئاسة، فالدين الذي يدين به أغلبية أفراد الشعب ويؤمنون به يقول بأنّ الإسلام هو أحد شروط صحة الولاية العامة، أي: رئاسة الدولة، وبدونه لا تصح هذه الولاية، ويفقد الرئيس شرعيته دينياً، فيصعب عليه قيادة البلاد، لأنّه لا يمتلك الشرعية في الضمير الديني لدى الغالبية، ولا يؤمنون بضرورة تقديم الطاعة والولاء له، ولا يمكن لبلد أن يستقيم أمره إذا كانت علاقة فئة كبيرة من الشعب مع حاكمها على هذه الشاكلة، ولكن عندما تخرج فتوى فقهية في المستقبل تسوّغ إمامة غير المسلم، ويقتنع بها عموم الناس فعند ذلك تصبح هذه المادّة الدستورية زائدة عن الحاجة، أما الآن فهي ضرورة، لأنّنا بحاجة إلى الشرعية، وبدونها لن تسير البلاد إلا فركحة.
وعلى سبيل الاستطراد نقول: إنّ من شروط الولاية العامة في الرأي الفقهي التقليدي الذكورة أيضاً، وعليه لا تصح رئاسة المرأة، وهذا الحكم كان من المسلّمات الفقهية، ولكن في أكبر بلد إسلامي من حيث العدد أي: إندونيسيا انتخب المسلمون لأول مرة في تاريخ البلاد ميجاواتي سوكارنو رئيسة للجمهورية سنة ٢٠٠١، بعد أن مهّدت جمعية (نهضة العلماء/ Nahdlatul Ulama) في إندونيسيا لذلك، وكانت هذه الجمعية قد خاطبت الشخصيات المشهورة من علماء المسلمين، وطلبت منهم إعطاء رأيهم في هذه المسألة، فجاءتهم بعض الأجوبة التي هي اجتهاد جديد في عالم الإسلام مجيزةً ذلك([5])، وكان قد سبقها إلى منصب رئاسة الوزراء الشيخة حسينة وخالدة ضياء في بنغلادش، وبينظير بوتو في الباكستان.
الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع:
ومرة أخرى نقول بضرورة هذه المادّة الدستورية، لأنّها تعطي الشرعية لمجمل القانون السوري والقضاء السوري والمحاكم السورية، وبدونها تستنكف الكثرة الكاثرة من المواطنين عن الاعتراف بهذا القانون، ويتعاملون معه تعاملاً سلبياً، بل كان هذا حال كثير من السوريين حتى بوجود هذه المادّة، لأنّهم عدّوها صورية، لذلك كانوا يلجؤون إلى المشايخ ليحلوا لهم مشكلاتهم، وكانوا يقولون فيما بينهم: “خلّوا الشرع يحكم بيننا”، في تصريح واضح بأنّ القانون يمشي في سياق مختلف بالنسبة إليهم! ونحن بحاجة أكيدة لإزالة هذه الازدواجية التي لها آثار سلبية قوية عديدة، لم نبحث فيها ولم نلاحظها حتى الآن.
نريد أن يعترف الشعب بالقانون والقضاء والمحاكم، وأن يكون القانون ذا هيبة وحاكمية، وهذه المادّة تساعد على ذلك، أما التخوّف منها والتفجّع الذي نراه في أصوات بعضهم وهم يقولون: “سوف يرجعوننا إلى ١٢٠٠ سنة مضت”! فمردّه إلى الجهل فقط، ولا شيء غير الجهل، فهم يتصوّرون الفقه الإسلامي مدونةً أُنجزت قبل ١٢٠٠ سنة، ثم أُغلقت وطُويت، وأنَّ هذه المادّة الدستورية ستعيد تفعيل جسم محنّط تجاوز عمره الألف عام، ولا يدركون أنّ للفقه الإسلامي مسيرته المضطردة التي رافقت المجتمعات الإسلامية بل الدول الإسلامية منذ النشوء حتى هذه اللحظة، وأنّ الفقه الإسلامي ظلّ في حالة تطوّر دائمة مُبدِياً مرونة واستجابة تفوق خيال هؤلاء المتشنجين من هذه المادّة الدستورية، ولا سيما في عهد الدولة العثمانية التي غدت إمبراطورية، وظهرت فيها (القوانين نامة) لتغطية الحاجة إلى تنظيم الشؤون الإدارية، وحفظ الرعية من جور الحكام والولاة، وتحقيق الوحدة القضائية في أرجاء السلطنة، وقد انبثقت هذه القوانين من أصول التشريع الإسلامي ومقاصده، معتمدةً في الدرجة الأولى على الفتاوى الفقهية، ثمّ على الأوامر السلطانية التي تدخل تحت مبدأ (السياسة الشرعية) الذي يعطي ولي الأمر صلاحيات واسعة في سن التشريعات في سبيل تحقيق مصالح الناس المعتبرة، وتدبير شؤونهم بما يتفق مع الشريعة، ثمّ على العادات والأعراف على قاعدة:
والعُرف في الشرع له اعتبارُ…. لذا عليه الحُكم قد يُدارُ
بدأت هذه القوانين بالظهور سنة ٨٨٢ هـ/ ١٤٧٧م، مع (قانون نامة محمد الفاتح) الذي أشرف على كتابته الفقيه الحنفي ليث زادة التوقيعي، ثمّ توالى بعده (قانون نامة السلطان سليم الأول) الذي كان يقف وراءه شيخ الإسلام ابن كمال باشا، و(قانون نامة سليمان القانوني) الذي رعاه فقهياً شيخ الإسلام أبو السعود أفندي.
تعدّدت القوانين نامة، لأنّها كانت في حالة تطور دائم بحسب التوجيه الذي ختم به محمد الفاتح الباب الأول من قانون نامة عندما قال: “هذا ما ارتأينا من نظام أحوال السلطنة، وعلى أبنائنا الكرام إدامتها أو تعديلها لما هو أفضل”([6])، وقد ظهرت حركة ترجمة واسعة لكثير من نُسخ قوانين نامة العثمانية إلى مختلف اللغات الأوروبية، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين، فاستفاد منها الأوربيون، وفي المقابل استفادت السلطنة من التقنين الأوروبي، وتحديداً الفرنسي الذي قفز قفزةً عظيمة في عهد نابليون بونابرت، فاقتبست منه القوانين التالية: قانون التجارة البرية (١٨٥٠م)، وقانون الأراضي (١٨٥٨م)([7])، وقانون الجزاء/ العقوبات (١٨٥٨)، وقانون التجارة البحرية (١٨٦٤)، وقانون المرافعات التجارية (١٨٦٤)، أما القانون المدني فحرصت السلطنة على أن يكون مستمداً بحذافيره من الشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي، وسُمّي مجلة الأحكام العدلية التي ظهرت ما بين عامي ١٨٦٩ و١٨٧٦، وبعد استقلال سوريا عن الدولة العثمانية ظلت مجلة الأحكام العدلية هي القانون المدني إلى أن حدث انقلاب حسني الزعيم سنة ١٩٤٩، فألغى العمل بها، ظاناً أنّه يقوم بثورة تشريعية، كما أوحى له وزيره للعدل الأستاذ أسعد الكوراني([8])، الذي كان يكنّ عداوة خاصة للمجلة ولنظام الأوقاف الذري، وخلال أربعة أشهر ونصف (نيسان ـــ آب ١٩٤٩) أصدر القوانين المدنية والجزائية، مستمداً إياها من القانون المصري ذي الأصل الفرنسي، ولأنّ الزعيم لم يستوعب خطورة ما قام به على مستوى تفاعل أفراد المجتمع مع هذا القانون واعترافهمبشرعيته، نصّت الجمعية التأسيسية التي أنيط بها وضع دستور للبلاد، بعد الإطاحة به وإعدامه، سنة ١٩٤٩ على أنّ “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”.
إنّ التأكيد على ضرورة كون الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع يأتي في سياق الـ Postkolonialismus أو ما اصطُلح عليه بـ (دراسات ما بعد الاستعمارية)، التي تعمل على الكشف عن سيطرة القوة الاستعمارية في الدول المستعمرة على مختلف مجالات الحياة وبخاصة القانون والدين، وكيف أدّى ذلك إلى تدمير ممنهج لكلّ خصائص هذه الدول، التي كانت توصم بالاستبداد والبدائية والرجعية واللاعقلانية، ولذلك اهتمت دراسات ما بعد الاستعمارية بتفكيك الثنائيات: (الديمقراطية ــ الاستبداد)، (الحضارة ــ البدائية)، (التقدمية ــ الرجعية)، (العقلانية ــ اللاعقلانية).
ونحن اليوم بحاجة إلى إعادة صياغة التجربة التاريخية الوطنية في الخطاب العام والمعاصر لتحقيق مصلحة تحرّرية، ومن جملة بنود هذه الصياغة إعادة بناء التشريع القانوني على أسسه ما قبل الاستعمارية، هذه الأسس التي كانت تراعي التطور الإنساني العام وتجاريه، وهذا شكل من أشكال المقاومة، وسبيل من سبل النهضة.
ختاماً:
لم يخترع الإعلان الدستوري هذه المواد، ولم يضف شيئاً جديداً من لدنه، بل كانت موادَّ ثابتة راسخة في كلّ دساتير سوريا المتعاقبة، ما خلا دستور ١٩٣٠ إبّان الاحتلال الفرنسي، فلما زال أُعيدت هذه الموادّ، وظلّت ثابتة في الدساتير اللاحقة حتى لحظة الإعلان الدستوري الحالي الذي أثبتها كما أثبتتها الدساتير قبله.
[1] طه الكردي الباليساني، رحلة طه الكردي الباليساني في العراق وبلاد الشام والأناضول ومصر والحجاز، تحقيق الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، ط ١، (أربيل: مؤسسة موكرياني للبحوث والنشر)، سنة ٢٠٠٧، ص ٩٠.
[2] شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تاريخ الإسلام، ط٢، (بيروت: دار الكتاب العربي)، سنة ١٩٩٣، ج ٥١، ص ٦٦.
[3] أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، (بيروت: دار صادر)، ج ٣، ص ٢٤٣.
[4] إغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي، تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، واختارته الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية)، ج١، ص ٣٩٤.
[5] يقف الدكتور القرضاوي في برزخٍ بين المنع والجواز، فهو يجري مع الرأي السائد في منع المرأة من الولاية العامة بمعنى الخلافة، ولكن يجيزها في حالة الرئاسة التي تكون محكومة بالعمل المؤسسي.
انظر: https://www.al-qaradawi.net/node/3904
[6] انظر: محمد يحيى عبد الحليم عبد الحليم، تاريخ حركة التقنين في الدولة العثمانية حتى صدور التنظيمات الخيرية، جامعة المنوفية، كلية الحقوق، ص ٣٥٨.
وننصح ههنا بالرجوع إلى كتاب الباحث الأمريكي سامي أيوب (الفقه والدولة والسلطان) الذي ناقش فيه مسألة قبول الفرمانات والأوامر السلطانية باضطراد في المتون والشروح الفقهية الحنفية من القرن السادس عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، وكيف أثّرت تلك الأوامر في المذهب الحنفي.
سامي عبد الله أيوب، الفقه والدولة والسلطان: الدولة العثمانية وصناعة الفقه الإسلامي، ترجمة: د. أحمد محمود إبراهيم، ط١، (الكويت: مركز نهوض للدراسات والنشر)، ط١، سنة ٢٠٣٢.
[7] نُشر حديثاً، ٢٠٢٥، كتاب Land and Legal Texts in the Early Modern Ottoman Empire: Harmonization, Property Rights and Sovereignty “الأرض والنصوص القانونية في الإمبراطورية العثمانية الحديثة المبكرة: الانسجام وحقوق الملكية والسيادة”، لماليسا تايلور وهو دراسة رائدة تكشف كيف تطوّر قانون الأراضي العثماني قبل وقت طويل من قانون الأراضي لعام 1858، وهو أول دراسة شاملة تتناول تطوّر قانون الأراضي العثماني من صياغته “الكلاسيكية” في القرن السادس عشر إلى إعادة صياغته في قانون الأراضي لعام ١٨٥٨.
يُبيّن الكتاب أنّه قبل القرن التاسع عشر بفترة طويلة، طوّر قانون حيازة الأراضي العثماني شكلاً أصلياً لحقوق الملكية، الذي سيستمر في قانون الأراضي. إضافةً إلى ذلك، مهّد تزايد إجماع الفقهاء على أن السلطان هو مصدر قانون الأراضي الطريق أمام السلطة التشريعية الأوسع التي ستؤكدها الدولة العثمانية في فترة الإصلاح “التنظيمات”، ويُظهر الكتاب التكيّف العميق والمستمر لتقليد قانوني عثماني وإسلامي في آنٍ واحد، ويُنقّح فهمنا للعلاقة بين العالم الإسلامي الحديث وماضيه الحديث المبكّر، ونوع التدخل الذي مثّله الإصلاح في القرن التاسع عشر.
[8] يفرد الكوراني في مذكراته فصلاً خاصاً عن دوره في النهضة التشريعية في عهد حسني الزعيم، هذه النهضة التي قامت على ركنين: إلغاء مجلة الأحكام العدلية/ القانون المدني، وإلغاء الوقف الذري، ويورد الكوراني في هذا الفصل مآخذه على مجلة الأحكام العدلية، وهي مآخذ لا تسوّغ نسف المجلة، بل تسوّغ تطويرها والعمل على تلافي ثغراتها، كما صنع الشيخ مصطفى الزرقا عندما تكلم عن عيوب المجلة فكان أكثر دقة وإنصافاً وتفهّماً.
انظر: أسعد الكوراني، ذكريات وخواطر مما رأيت وسمعت وفعلت، ط ١، (بيروت: دار نجيب الريس)، سنة ٢٠٠٠، ص ٢١٧ وما بعدها.
وانظر: مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام، ط٣، (دمشق: دار القلم)، سنة ٢٠١٢، ج١، ص ٢٤٢.
الأسس التي كانت تراعي التطور الإنساني العام وتجاريه، وهذا شكل من أشكال المقاومة، وسبيل من سبل النهضة.
ختاماً:
لم يخترع الإعلان الدستوري هذه المواد، ولم يضف شيئاً جديداً من لدنه، بل كانت موادَّ ثابتة راسخة في كلّ دساتير سوريا المتعاقبة، ما خلا دستور ١٩٣٠ إبّان الاحتلال الفرنسي، فلما زال أُعيدت هذه الموادّ، وظلّت ثابتة في الدساتير اللاحقة حتى لحظة الإعلان الدستوري الحالي الذي أثبتها كما أثبتتها الدساتير قبله.