قصَّة حي بن يقظان إحدى أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابن طفيل، وابن النفيس، غير أن الصياغة الأكثر شهرةً وتأثيرًا هي التي قدّمها ابن طفيل الأندلسي في القرن السادس الهجري، فأصبحت، لاحقًا، إحدى النصوص المؤسِّسة في تاريخ الفلسفة المقارنة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت في أكسفورد سنة 1671م بعنوان: الفيلسوف العصامي. ويصف أهمية هذه القصة الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بقوله: “ومن الذين أُعجبوا بقصَّة حي بن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطراءً بالغًا، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حولها في أوروبا تتوالى في غير انقطاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أنَّ قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظًا من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث”.
وابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي (ت 581هـ/1185م). أصبح طبيبًا للخليفة أبي يعقوب يوسف المنصور، ولم يصلنا من كتبه إلا قصَّته الفلسفية المشهورة حي بن يقظان.

يبدأ بناؤها السردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه العالم بأدواته الإدراكية الأولية في مسار تصاعدي للمعرفة، فينتقل من الملاحظة الحسية إلى التجربة، ومن التجربة إلى التحليل، ثم إلى التجريد العقلي، وصولًا إلى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به العالم والوجود والعلية والغاية. ويكتشف بالحواس والتجربة قوانين العالم المادي ومراتب الوجود، ثم يهتدي إلى وجود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة الموجودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الوجود، متخذًا الرياضة والزهد سبيلًا إلى ذلك، فلا يأخذ من الطعام والشراب إلا ما يقيم أوده، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شخصيتا أبسال وسلامان، وهما رفيقان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حيٌّ. فأما أبسال “فكان أشد غوصًا على الباطن، وأكثر عثورًا على المعاني الروحانية، وأطمع في التأويل، أما سلامان فكان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجدٌّ في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى”.
يشكّل لقاء حيٍّ بأبسال نقطة التحوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي معزولًا عن البشر وبلغ بعقله وتأمله معرفة الحقائق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلبًا للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما على تجربة الآخر، ويدرك أبسال أنَّ المعارف التي بلغها حي بالعقل والمشاهدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقينًا بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلًا رمزيًا للحقائق التي أدركها بنفسه، لذلك يؤمن بالرسالة ويلتزم فرائضها. ثم ينتقلان إلى الجزيرة التي قدم منها أبسال لنقل هذه الحقائق إلى الناس، غير أن محاولتهما تخفق، إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حيٍّ أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثرًا العزلة والعبادة والتأمل الروحي.
يطرح ابن طفيل في هذه القصة تصورًا متكاملًا لتطور الإنسان معرفيًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا، ويبني تسلسلًا هرميًّا لمراتب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حيّ بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مرتبة الفقيه، أي سلامان، ثم العامة الذين يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي.
اكتسبت هذه القصة عبر تاريخها الطويل قوةً برهانيةً، إذ بدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والوحي معًا. غير أن قوة هذا النموذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصلًا تصور عقل إنساني يعمل في فراغٍ اجتماعيٍّ كامل؟ وهل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه.
إن إعادة قراءة حي بن يقظان في ضوء اللسانيات البيولوجية، والأنثروبولوجيا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عن مشكلة أعمق في نموذج (العقل ما قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بحوث اكتساب اللغة أنَّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها التفكير المجرد. وفي هذا السياق قدّم إريك لينبرغ (Eric Lenneberg) في كتابه (Biological Foundations of Language) ما عُرف بــ (فرضية الفترة الحرجة) (Critical Period Hypothesis) لاكتساب اللغة، والتي تفيد بأنَّ القدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأنَّ الحرمان اللغوي في تلك المرحلة يؤدي إلى عجز دائم أو شبه دائم في اكتسابها لاحقًا. وقد استند إلى حالات الأطفال الذين نشؤوا في عزلة شديدة عن التفاعل اللغوي الإنساني، فأدى الحرمان من البيئة الاجتماعية إلى ضعف في التواصل وإلى اختلالات أعمق في القدرة على بناء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومن ثم فإنَّ اللغة لا تبدو مهارة فردية تُكتسب تلقائيًّا، بل بنية اجتماعية-بيولوجية لا تتكوّن إلا داخل مجتمع لغوي.
وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته فإنّ الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعمال مايكل توماسيلو، ولا سيما The Cultural Origins of Human Cognition وOrigins of Human Communication، يتبيّن لنا أنَّ ما يميز العقل الإنساني ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية المشتركة) (shared intentionality)، أي القدرة على بناء معانٍ ومقاصد مشتركة داخل إطار اجتماعي. ووفق هذا التصور فإنَّ العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المجردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل وحتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيًّا عبر التفاعل الاجتماعي، والتعلم الثقافي، والتواصل اللغوي. وبذلك يصبح العقل الإنساني نتاجًا تاريخيًّا-اجتماعيًّا، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها.
وتدفع الأنثروبولوجيا التأويلية هذا الاعتراض إلى مداه الأقصى، حين تقرّر في تحليلها عند كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في مقاله The Impact of the Concept of Culture on the Concept of Man أن البشر حيوانات غير مكتملة، وأنَّ الثقافة هي التي تكمّلها داخل شبكات المعنى التي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه، لأنّ الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهذه البنى شروط أساسية لتكوُّن الخبرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإنَّ فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه.
وفي ضوء ذلك يمكن إعادة النظر في إحدى أكثر قضايا علم الكلام الإسلامي مركزية، وهي مسألة (التحسين والتقبيح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟
ومن خلال إعادة قراءة نموذج حي بن يقظان، يمكن توسيع هذا الفهم ليشمل تكوّن (العقل الأخلاقي) نفسه بوصفه حصيلة سيرورة اجتماعية تنتظم داخل شبكة من العلاقات التي تؤطرها الخبرة الإنسانية في خضم المجال الثقافي واللغوي، وفي هذا السياق يغدو الحديث عن (التحسين والتقبيح) العقليين تعبيرًا عن نمط من الوعي المعياري المشروط ثقافيًا ولغويًا، لا عن حكم صادر عن عقل مستقل عن شروط إنتاجه.
أما الخطاب الشرعي، فعلى الرغم من طابعه المتعالي وكونه يتخذ صورة أحكام منزَّلة من خارج السيرورة التاريخية، فإنّه يبدو من حيث البنية والنتيجة مندمجًا في هذه السيرورة نفسها؛ إذ يُفهم بوصفه امتدادًا لسلسلة من الرسالات والشرائع التي تراكمت عبر زمن ممتد من التفاعل والتداول، بما يتيح تشكّل المعايير الأخلاقية داخل شبكة من العلاقات والخبرات الإنسانية، ويمنحها دلالاتها عبر هذا الامتداد التاريخي المتصل، وبذلك يكتسب الخطاب الشرعي قدرة على تنظيم المجال المعياري للعقل الأخلاقي وإضفاء صيغته المستقرة داخل النسق الإنساني، بما يضبط تداول القيم الأخلاقية في إطار متماسك.
لقد نجح ابن طفيل في تصوير صعود العقل إلى أعلى مراتب التجريد، لكنّه فعل ذلك عبر افتراض واقع يستحيل تحققه: فكر بلا لغة، وعقل بلا مجتمع، وتجريد بلا شبكة ثقافية سابقة عليه! وبذلك تحوَّلت القصة، من حيث لم يرد، من برهان على استقلال العقل إلى شاهد على استحالة هذا الاستقلال.
إنَّ حي بن يقظان ممكن سرديًّا وتخيليًّا، لكنَّه مستحيل أنطولوجيًّا وتكوينيًّا.