رسالة من نزار قباني إلى مصطفى الزرقا تنشر لأول مرة

عرض الأستاذ الفاضل مجد مكي، منذ أيام، وهو محقِّق فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا وأحد المقربين منه، رسالةً خطية كتبها الشاعر نزار قباني إلى الشيخ مصطفى الزرقا، تُنشر لأول مرة، وهي رسالة مفاجئة واستثنائية؛ لأنّها تحمل كثيرًا من اللمحات الدالة على مكانة الرجلين الكبيرين: عميد الفقه الإسلامي، وشاعر الحب والمرأة.

ونحن أمام لقبين تشكّلا من خلال مسيرة دؤوبة ومنتجة، وبناء راسخ ومتميّز حتى استقرّا في الوجدان الثقافي العام، الأول من خلال عطاءٍ فكري وإنتاج فقهي قلّ نظيرهما في العالم الإسلامي، والثاني من خلال إبداع شعري متوهّج ارتقى بالحب والمرأة من التجربة الخاصة إلى أفق إنساني واسع، وأخرج القصيدة العاطفية من لغة الغزل التقليدية إلى لغة أكثر قربًا من الحياة اليومية، فجعل شعره علامة فارقة في الشعر العربي الحديث.
وكان الوجيه ورجل الأعمال السعودي عبد المقصود خوجة يلحّ على الشيخ الزرقا أن يجمع له أشعاره لينشرها في ديوان، واستغرق الأمر عدة سنوات، ثم لما صدر الديوان فرح الشيخ به فرحًا كبيرًا، ورأى أن يهدي نزارًا نسخة منه، فكانت هذه الرسالة جوابًا على هذه الهدية:
“أستاذي ومعلّمي الكبير.أسعدني أن أسمع صوتك الجميل بعد خمسين عامًا من النَأْي، فأنا واحدٌ من الطلاب الذين شربوا العلم من ينابيعك، واستناروا بقناديل معرفتك في كلية الحقوق بالجامعة السورية عام 1944 و1945.

إنَّ شيخنا مصطفى الزرقا كان دائمًا نموذجًا لكبار عصر التنوير، بل كان واحدًا من أئمة المعرفة العربية من أمثال ابن سينا، وابن رشد، والفارابي، الذين أعطوا البشرية بيادر عالية من حنطة الفكر، وحدائق من فاكهة المعرفة.
وإذ كنتُ قد عرفتُكَ عالمـًا، وفقيهًا، وإمامًا.. فيسعدني اليوم أن أكتشفَ فيكَ الزميلَ الشاعر الذي يرمي أقنعة الوقار والحكمة والقبعة الأكاديمية.. ويرمي نفسَهُ في بحر الشعر.. حيث الماء قصيدةٌ زرقاء.. والرملُ منديلٌ من الحرير.. وألوف الحوريّات بانتظار الإمام الشاعر.. ليتبرَّكنَ بعطر قصائده…
فشكرًا لك، يا حبيبنا ويا معلمنا، لأنّكَ (ارتكبتَ) أخيرًا إثمَ الشعر.. وغَوايةَ القصيدة.. رغم إيماني العميق، منذ بداياتي الشعرية الأولى.. أنَّ الشِعْرَ هو نقاء النقاء.. وطهارةُ الطهارة.
وفي هذا الزمن الرماديّ الذي يحاصرنا من الشرق والغرب، والشمال والجنوب، يأتي ديوانك (قوس قزح) ليحملَ إلينا أسرابَ الحمام، ورائحةَ الياسمين، ورائحة الحُبّ.
أطال الله عمرَك، وغَمَرَكَ دائمًا بغلائل الصحة والسعادة.
أخوك
نزار قباني
لندن 25 تموز 1996″.
وبعد سنتين من تاريخ هذه الرسالة التي لم نقرأها إلا اليوم، قصّ علينا نزار سبب هذا النأي الذي ورد ذكره في الرسالة، في مقالة نشرها في جريدة الحياة اللندنية ضمن سلسلة من المقالات، استعاد في بعضها محطات من حياته الأدبية والفكرية، وفي تلك المقالة تحدّث عن قصيدته (خبز وحشيش وقمر)، وما أثارته من عاصفة جدلية في سوريا وخارجها:
“القصيدة الإثم، أو القصيدة الجريمة أوصلتني إلى المجلس النيابي السوري، وهي سابقة لم تحدث في أي برلمان من برلمانات العالم، فانبرى أستاذنا الشيخ مصطفى الزرقا النائب عن جماعة الإخوان المسلمين بتقديم استجواب عنيف لوزير الخارجية آنئذٍ الأستاذ خالد العظم طالبًا منه إحالتي إلى اللجنة التأديبية، وطردي من وزارة الخارجية، وتأييدًا لأقواله قام النائب الزرقا بتلاوة القصيدة على النواب، وكان لحسن حظي فصيح اللسان، رائع الإلقاء، فما إن انتهى من تلاوة القصيدة حتى انفجرت قاعة مجلس النواب، وشرفة المتفرجين، ورجال الصحافة، بالتصفيق، فعاد النائب والعرق يتصبب من جبينه مخذولًا ومحبطًا، وباظ الاستجواب”.
ولا بدّ هنا من استدراكٍ وتصويب؛ فقد وصف نزار أستاذه بأنّه “النائب عن جماعة الإخوان المسلمين”، بينما كان الشيخ نائبًا مستقلًا عن مدينة حلب. ويبدو أنّ هذا الوصف جاء للدلالة على موقعه ضمن المجال الإسلامي العام وقربه من الإخوان، لا على انتمائه التنظيمي، وهي مسألة تتكرر عند توصيف بعض الشخصيات الإسلامية؛ إذ تُنسب أحيانًا، على سبيل التجاوز، إلى جماعة الإخوان المسلمين لمجرد انتمائها إلى الفضاء الإسلامي العام، وبحسب ما نقل إلي الأستاذ الشيخ مجد مكي نقلاً عن الشيخ الزرقا فإنّه أنكر أن يكون أعضاء المجلس النيابي قد صفقوا، علماً أن شاعرنا ساق حادثة التصفيق في معرض الإعجاب بالقصيدة وبإلقاء الشيخ وفصاحته.
إنّ هذه الرسالة التي اغتنم القباني فرصة كتابتها للإشادة بالفقيه الشاعر هي شهادة إنسانية لرجلين كبيرين، فهي تكشف عن نزار الذي لم يحمل في قلبه ضغينة لأستاذه ذي الموقف الناقد من قصيدته قبل أربعين عامًا، كما تكشف عن الشيخ الزرقا الفقيه الموسوعي الذي لم يمنعه انهماكه العلمي واستغراقه الفقهي من أن يفتح نافذةً على عالم الشعر، ويضيف إلى سيرته العلمية صفحة أدبية رقيقة، ويختار لديوانه عنوانًا لافتًا مليئًا بالألوان: قوس قزح.
وتكشف هذه الرسالة عن جمال الاعتراف المتبادل بين الرجلين الكبيرين؛ فقد اعترف الشيخ مصطفى الزرقا بالشاعر حين أهداه ديوانه، واعترف الشاعر نزار قباني بأستاذه ومعلمه حين استهل رسالته بقوله: “أستاذي ومعلمي الكبير”، مستعيدًا فضل سنوات التلقي الأولى. ثم ما لبث أن داعب أستاذه بعد أن اكتشف فيه الشاعر خلف صورة العالم والفقيه، فاستقبله في عالم الشعر بوصفه “الزميل الشاعر”، قبل أن يختم رسالته بعبارة تختلط فيها الفرحة بالجرأة: “أخوك نزار”. وكأنّه لا يكتفي بالاعتراف بأستاذه، بل يضمّه إلى أخوّة الشعر، بعد أن جمعتهما من قبل رابطة العلم.
في هذه الرسالة يقدّم التلميذ الذي غدا من أكبر شعراء العصر الإشادة في أعلى صورها عندما يقرن أستاذه بكبار رموز المعرفة العربية، ويضعه أنموذجًا لكبار عصر التنوير، دون أن يقع في وهدة المبالغة أو التملق أو الابتذال، فمن يعرف الشيخ في مسيرته يدرك تمامًا أنّه كان من أوائل السوريين المعاصرين الذين جمعوا بتمكّنٍ واقتدار وتميّز بين مجالات متعددة: الشرعي، والقانوني، والأدبي. وأذكر في هذا المقام موقفًا شخصيًا ترك في نفسي أثرًا عميقًا، حين وقعت، وأنا طالب في الصف الحادي عشر في مكتبة مدرستي الخسروية في حلب، على كتاب كفاية المتحفّظ لابن الأجدابي، وهو كتاب في فقه اللغة، فإذا محققه الشيخ مصطفى الزرقا، وتاريخ طبعه سنة 1925، وأدركت يومها أنّه أنجز هذا العمل في فترة مبكرة من حياته، وهو في مثل سني تقريبًا، فكان ذلك درسًا مهمًا في أنّ الإنجازات الكبرى تبدأ من فترة اليفاعة والشباب. وقد انعكس ذلك الاهتمام الأدبي على صياغته وسبكه في أكثر الموضوعات جفافًا، فقدّمها في عبارة طلية رقيقة الحاشية أنسية البيان، وهذا التآلف بين الفقه والأدب الذي لفت نظر شاعرنا إلى أستاذه كان ثمرة رؤية عميقة لدى الشيخ الزرقا الذي رأى أن الأدب جزء من تكوين رجل الشريعة، وضرورة من ضرورات بيانه وتأثيره.
يقول الشيخ: “إني أرى دراسة الأدب لرجل الشريعة كالماء للتربة. فسيبقى رجل الشريعة جافًا في أسلوبه وتدريسه وكتابته، ومعزولًا عن مسالك البيان المُفصح، والأداء المُعجب النافع، والتذوق الوجداني الفني، لعظمة القرآن، وجوامع كلم الرسول صلى الله عليه وسلم، ما لم يتمكن في الدراسة الأدبية، للغة العربية وآدابها”. وقد أصاب وزير المعارف السوري الدكتور منير العجلاني بقوله حين قدّم كتاب الشيخ الزرقا المدخل الفقهي العام: “فالأستاذ الزرقا فقيه أديب، وأسلوبه في الكتابة يكاد ينسيك صعوبة المادة وجفافها”.
وفي ميدان الفقه، قام الشيخ بأهم مغامرة فقهية في العصر الحديث؛ إذ أعاد بناء المادة الفقهية،في جانبها المدني، وصاغ من قواعدها ومبادئها نظريات عامة على غرار النظريات الحقوقية الغربية، فكان من أوائل من نقلوا الفقه إلى قالب النظريات القانونية، وأصّل لعدد من النظريات، منها: نظرية الالتزام العامة. نظرية الملكية. نظرية الارتباط التعاقدي. نظرية الشروط العقدية. نظرية المؤيدات التشريعية. نظرية الأهلية. نظرية الضمان.
إنّ رسالة نزار وثيقة إنسانية نادرة، تكشف عن وفاء التلميذ لأستاذه، وعن سمو الأستاذ الذي بقي حاضرًا في وجدان تلميذه رغم اختلاف المواقف، وتبرهن على أن الثقافة الحقيقية والمعرفة الرفيعة، إذا اقترنتا بالنفوس الكبيرة، تمدان الجسور فوق الخصومات، وترتقيان بالاختلاف، فيُعرف لصاحب الفضل فضله، ولرجل العلم قدره، وللأديب مقامه.