العربيّة” في اسم الدولة السوريّة” – بين هوية التأسيس وتحولات السلطة وحقوق الأقليات

إذا كان الأهالي يتعبون في اختيار أسماء أولادهم، كما يرد في أغنية (أسامينا) التي تغنيها فيروز، فإنّ الشعوب تتعب وتَنْصَب أكثر في اختيار أسماء دولها، وإذا كانت أسامي الأولاد مجرد كلام فإنّ أسماء الدول ليست كذلك، لأنّها تحمل في طيّاتها تاريخًا مضنيًا من الصراعات والتوافقات والتسويات، وتكشف عن مرحلة التكوّن والانبثاق بكل ما فيها من رهانات وامتدادات، وتعبّر عن الرؤية الجماعية للهوية الوطنية التي تتحرّك في إطارها الجماعة، وتعرّف من خلالها نفسها أمام ذاتها وأمام الآخرين.

وقد تتبدّل دلالة هذه الأسماء من كونها تعبيرًا عن هويّةٍ وطنيّةٍ وسياسيّةٍ جامعةٍ في لحظة التأسيس فتغدو موضع تساؤل وإشكال في ظلّ تعاقب التحولات السياسيّة، وتنوّع التجارب المتباينة في الحكم والإدارة، كما هو الحال اليوم في المشهد السوري، هل يُفهم الاسم في ضوء لحظة التأسيس، أم في ضوء ما تلاها من أطوار وأحوال.

يتناول هذا النص دلالة (العربية) في اسم الدولة السورية. يستكشف لحظة إدراجها معرِّفًا للدولة، ويتتبُّع مسارها في مواجهة محاولات الطمس، ثمّ إعادة الاعتبار، وصولًا إلى النقاشات والمحاجّات الراهنة المرتبطة بالتعدد الاثني وحقوق الأقليات، في محاولة لفهم الكلمة في سياقها التاريخي والسياسي، وتمييز رمزيتها التأسيسيّة عن مآلات استخدامها في تجارب الحكم المختلفة.

أسّس طلبة من بلاد الشام كانوا يتابعون الدراسات العليا في إسطنبول وباريس عام 1911 جمعية سريّة أطلقوا عليها اسم جمعيّة العربيّة الفتاة، منهم محمد المحمصاني ابن بيروت الذي ارتبط اسمه بالمراحل المبكرة من تبلور التيار القومي، وعوني عبد الهادي الذي شارك لاحقًا في الإدارة العربية في دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تولَّى مناصب سياسية في فلسطين والأردن، وجميل مردم بك الذي غدا من قادة الكتلة الوطنية في سوريا، وتولّى رئاسة الحكومة السوريَّة عدة مرات في فترة الانتداب الفرنسي وما بعدها، ورستم حيدر، وعبد الغني العريسي، وأحمد قدري، وعزة دروزة. تدرّجت هذه الجمعية في مطالبها حتى أصبح هدفها النهائي إقامة دولة عربيّة دستوريّة مستقلة عن استبداد جمعيّة الاتحاد والترقّي، وكان العضو فيها يقسم على “بذل كلِّ جهد لإيصال الأمّة العربيّة إلى مصافِّ الأمم الراقية الحرة المستقلة”.

كان ردّ جمعيّة الاتحاد والترقّي على المنتمين إلى هذه الجمعية قمعًا متصاعدًا، بدأ بالمضايقة السياسيّة، وانتهى بالسجن والنفي والإعدام. فقد رأت في هؤلاء دعاةَ مشروعِ استقلالٍ عربي واضح المعالم سياسيًا، لا مجرّد تيارٍ ثقافيّ ضبابيّ، فواجهتهم بعنفٍ منظَّم، وأطلقت يد جمال باشا في ملاحقتهم بلا هوادة، حتى ارتبط اسمه في الذاكرة الوطنية بلقب (السفّاح)، عقب إعدامات 1915–1916.

انتسب لهذه الجمعيّة، بُعيد الحرب العالمية الأولى شخصيات سياسية مؤثرة أهمّهم: شكري القوتلي الذي أصبح أوَّل رئيس لسوريا بعد الاستقلال سنة 1946، وهاشم الأتاسي رئيس سوريا في فترات لاحقة، وإبراهيم هنانو قائد ثورة الشمال (1919-1921) ضد الانتداب الفرنسي، وسعد الله الجابري، وربما كان الحلبي الوحيد الذي نشط في صفوف الجمعيات القومية العربية السرية التي تأسست في إسطنبول، واضطلع بدور صلة الوصل بين جمعيتي العهد والعربية الفتاة، والأمير عادل رسلان، ويوسف العظمة، ومحب الدين الخطيب، وساطع الحصري، وخير الدين الزركلي، وعبد الرحمن الشهبندر، والشيخ كامل القصاب، ونسيب البكري، والشيخ نوري الشعلان زعيم قبيلة الرولة الكبيرة التي كانت تسيطر على البادية السوريّة بين دمشق ونجد، وابنه نواف، وفواز الفايز شيخ قبيلة بني صخر، ونسيب الأطرش أحد زعماء جبل الدروز البارزين، وغيرهم، وفي كانون الثاني/ يناير من عام 1915 أرسل السوريّون رسالة شفوية حملها فوزي البكري، أحد قادة العربية الفتاة، إلى الشريف حسين تعرض عليه القيام بثورة عربيّة لتكون الحجاز منطلقها، ويكون الشريف حسين قائدها. فأرسل الشريف ابنه فيصل إلى دمشق لاستشارة الشخصيات البارزة فيها، ومعرفة قوة الحركة العربيّة، وفي تلك الفترة انتسب الأمير فيصل إلى جمعيّة العربيّة الفتاة، ورضا الركابي وياسين الهاشمي، والركابي ضابط وسياسي سوري ترأس أوَّل حكومة عربية في دمشق بعد خروج العثمانيين منها سنة 1918، أما الهاشمي فضابط وسياسي عراقي تولّى رئاسة الوزراء في العراق في عهده الملكي.

اندلعت الثورة العربيّة الكبرى سنة 1916، وتحالفت عسكريًا مع بريطانيا في سياق الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية، وقدّم هذا التحالف غطاءً سياسيًا ودعمًا لوجستيًا أسهم في ترجيح كفتها عسكريًا، وحين دخل الجيش العربي دمشق في أواخر أيلول/ سبتمر وأوائل تشرين الأول/ أكتوبر عام 1918، كان قوامَه الأساسي الضباط والجنود السوريين والعراقيون، وانخرطت فيه وحدات بدويّة شمالية، وبقيت القبائل التي أطلقت الشرارة الأولى في الحجاز في الجنوب. وهذا ما جعل لحظة التحرير امتدادًا طبيعيًّا لذلك المسار الوطني، لا مجرد انعكاس لتحالف دولي عابر.

كانت النخبة السورية على دراية باتفاقية سايكس–بيكو، التي كانت تسعى لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا. تلك الاتفاقية التي عُقدت سرًّا في أيار/ مايو سنة 1916 بموافقة روسيّة. وبعد انتصار الثورة البلشفية في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1917، نشرت الحكومة الروسيّة الجديدة نصوص الاتفاقيات السرّية التي أبرمها القيصر مع الحلفاء، فوصل خبرها إلى النخب العربيّة في أواخر عام 1917، أي: قبل دخول الجيش العربيّ دمشق بسنة تقريبًا، لذلك سعى الأمير فيصل بعد وصول الجيش العربيّ إلى دمشق إلى تثبيت واقعٍ سياديٍّ سريع قبل وصول الفرنسيين، فأعلن في 5 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1918 قيام حكومة عربيّة في دمشق برئاسته، وعيّن علي رضا الركابي رئيسًا لمجلس النظّار، فغدت جمعية العربيّة الفتاة صاحبة الدور الأبرز في تأسيس سوريا، وإعلان استقلالها، وإقامة أول حكومة عربيّة فيها، و”اعتمدت الحكومة العربيّة في إطار تعبيرها عن عربيّة الدولة سجلات محكمة البداية في دمشق غرة محرم1337 هـ. أي: يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 1918 تاريخًا لقيام الدولة العربيّة، وبدأ ترقيم القضايا في هذه المحكمة برقم جديد (رقم 1)، واستخدام اللغة العربيّة محل اللغة التركيّة في السجلات […]، ووصفها الحصري قائلًا: لا نغالي إذا قلنا إنّ الدولة السورية التي تألفت عقب الحرب العالميّة الأولى كانت دولة عربيّة بأتمّ معاني الكلمة”، وقد”استُخدِمت تسميات عدة للدلالة على الحكومة، فسُمّيَت في الدور الأول الحكومة العسكرية العربيّة في سورية، ثمّ الحكومة العسكريّة العامة في سوريا، ولكنّها صارت تسمى بعد ذلك باسم الحكومة العربيّة السورية، والحكومة العربيّة، والمملكة السورية، وظهرت هذه التسميات على الأوراق الرسمية والمراسلات الصادرة من الحكومة ومؤسّساتها، وعلى الطوابع البريدية، وعلى الدينار السوري الذي سُكَّ في أواخر أيام الاستقلال”.

وفي مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، دافع فيصل عن استقلال سوريا بكلّ أجزائها، في مواجهة الترتيبات الاستعمارية التي بدأت تظهر، وفي المقابل، ظهر في ذلك المؤتمر شخص اسمه شكري غانم، وكان مهاجرًا سوريًا من بيروت مقيمًا في فرنسا منذ ثلاثين سنة تقريبًا قريبًا من الدوائر الفرنسية، ادعى أنَّ السوريين ليسوا عربًا، وأنَّ الحكم العربيّ خارجي لا يُعبّر عنهم، داعيًا إلى فصل لبنان عن سوريا، وقبول انتداب فرنسي باعتباره ضمانة للاستقرار، وقد كرّمته الحكومة الفرنسية بعد ذلك فأطلقت اسمه على أهم ثكنة عسكرية في لبنان سنة 1930، وألحّ، في المؤتمر نفسه، المسؤول الفرنسي جان غو (Jean Gout) على ضرورة وضع الأقليات تحت حماية فرنسية، فردّ فيصل بمنطق سياسي مباشر: “إذا كان وجود أقليات يُسقط حق الشعوب في الاستقلال، فكيف قامت رومانيا وسواها من دول أوروبا الشرقية؟ أليست الأمة السورية، بثقافتها ولغتها المشتركة، جديرة بأن تقرِّر مصيرها”؟

وفي هذا المؤتمر قرَّر الرئيس الأمريكي ويلسون (Woodrow Wilson) إيفاد لجنة لاستطلاع رأي السكان في مستقبل الأقاليم العربيّة العثمانية بعد الحرب، برئاسة هنري كينغ (Henry Churchill King) وتشارلز كراين (Charles R. Crane)، فعُرفت باسم لجنة كينغ ــ كراين(King–Crane Commission). وفي نهاية الزيارة أرسل كراين برقية مباشرة إلى الرئيس ويلسن يخبره فيها أنَّ السوريين مستعدون لبناء دولتهم: “إنّهم أذكياء ومجدّون ومتّزنون، مع ثقافة قوية تستند إلى اللغة العربيّة الجميلة والغنية، سواءً للمسيحيين أو للمسلمين منهم”. ثمّ رفعت اللجنة تقريرها في آب/أغسطس عام 1919، المبني على العرائض والمقابلات التي كشفت أنَّ الغالبيّة الساحقة في سوريا الطبيعية تعارض الانتداب الفرنسي، وتفضّل الاستقلال تحت قيادة فيصل، وتؤيِّد قيام دولة سورية موحّدة، و أنّه إذا كان لا بدَّ من انتدابٍ فالسكان يفضّلون الولايات المتحدة أولًا، ثمّ بريطانيا، ويرفضون فرنسا، وأوصت اللجنة بوحدة بلاد الشام (سوريا الطبيعيّة، بما فيها فلسطين ولبنان) في كيانٍ سياسيٍّ واحد، بدل التقسيم، وخلص التقرير إلى أنَّ تنفيذ برنامج الحركة الصهيونية كما عُرض آنذاك يتعارض مع رغبات الأغلبيّة العربيّة في فلسطين، وأنَّ تطبيقه بالقوة سيستلزم استخدامًا دائمًا للقوة العسكرية.

بادر السوريون، في الوقت نفسه، إلى عقد المؤتمر السوري العام بدمشق في حزيران/ يونيو عام 1919، ثمّ تحوّل إلى أوّل مجلس نيابي وطني في تاريخ سوريا الحديثة. وقد ضمّ نحو تسعين عضوًا ممثلين لبلاد الشام بحدودها الطبيعية (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن)، وفي 7 آذار/ مارس عام 1920 أعلن استقلال سوريا باسم المملكة السوريّة العربيّة بحدودها الطبيعية، ونادى بـفيصل بن الحسين ملكًا عليها، ثمّ باشر بإعداد دستور للبلاد.

وبالعودة إلى مناقشات المؤتمر السوري الأول تتبين مركزية كلمة (العربيّة) في تكوين هويّة البلد، فقد كانت بريطانيا وفرنسا تسعيان إلى تقسيم سوريا الكبرى، وكانت الحجة الأقوى لهما هي أنَّ سوريا ستكون دولة ثيوقراطية مسلمة تضطهد المسيحيين، وكان لهذا التخوف صدى لدى الأقليات الدينية، ولم يكن مجرد حجة خارجية، ولذلك حسم المؤتمر السوري أمره، وألغى البند الدستوري الذي كان سيتحدث عن كون دين الدولة الإسلام، واكتفى بالنصِّ على أن يكون الإسلام دين ملك الدولة، بناءً على رأي العلامة محمد رشيد رضا، وفي المقابل نصّ الدستور على عربيّة الدولة، لأنّها الهويّة المشتركة التي كانت تجمع المسلمين والمسيحيين والعلويين والدروز، وسوف نقرأ في جريدة لسان العرب الأرثوذكسية البيروتية إشادتها بوصول الحكومة العربيّة واستشهادها بخطاب الأمير فيصل: “إنّ الأمة العربيّة اليوم تتمتع بما كانت تتوق إليه: رغبتها الطويلة في استعادة أمجادها القديمة، وإنّ الأمة العربيّة ليست أمة إسلامية، بل أمة واحدة تضم المسلمين والمسيحيين واليهود”، وكان المسيحيون الأرثوذكس يعارضون فرنسا ويخشون حكمها لسوريا ولبنان، لأنّهم يعرفون أنّ فرنسا سترعى الكاثوليك أفضل منهم.

على هذا الأساس بدا أنَّ حماسة كثير من المسيحيين السوريين لكلمة (العربيّة) لا تقل عن حماسة المسلمين، نظرًا لأنَّهم ساهموا في ريادة النهضة العربيّة الحديثة جنبًا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين، إذ برز مثقفون وصحفيون مسيحيون في إحياء اللغة العربية والصحافة والتعليم، منهم بطرس البستاني وناصيف اليازجي وفرح أنطون. ويُذكر في هذا الصدد نجيب جرجس العازوري أوّل من دعا لتأسيس حزب قومي عربي، أطلق عليه اسم جامعة الوطن العربي، وكان كتابه يقظة الأمّة العربيّة من أوائل الكتاب التي عبّر عن النزعة العربيّة في تاريخنا العربي الحديث، وهذا على خلاف مواقف المسيحيين المبثوثين في بلاد المهجر والمنظمين في جمعيات ورابطات ثقافية واجتماعية فقد كان هوى كثير منهم مع فرنسا، ويرون أنه لا علاقة لدمشق بمكة التي تبعد عنها ١٥٠٠ كم، وأن السوريين ليسوا عربًا، متناسين أن باريس تبعد ضعف المسافة وأكثر.

وقد تُوّجت تلك الرؤية التي توافق عليها السوريّون في مؤتمرهم، الذي ضم كلَّ الأطياف، في المواد الدستوريّة الثلاث الأولى التي شكَّلت هذه الدولة، فنصّت المادة الأولى على إنّ حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكيّة مدنيّة نيابيّة. عاصمتها دمشق الشام. ودين ملكها الإسلام، والمادة الثانية على أنَّ المملكة السوريّة تتألف من مقاطعات ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة، والمادة الثالثة على على أنّ اللغة الرسمية في جميع المملكة السورية اللغة العربية.

كان هذا الدستور أول دستور يستخدم وصف (العربيّة) صفةً لدولة قائمة، و”أول دستور عربيّ علمانيّ عصريّ في مرحلة ما بعد نهاية الحكم العثماني تعتمده دولة عربيّة، وكان قد استقى مصادره من قوانين أساسية ودساتير متطورة سبقته، مثل الدستورين البلجيكي والعثماني، وسمح اعتمادها إياه بوصفها بالدولة الحديثة الأولى في المشرق العربيّ”.

في تلك الأثناء كان جان غو مسؤول الخارجية الفرنسية يحذّر من أنّ القوميّة العربيّة التي يمثِّلها الأمير فيصل تهدّد حكم فرنسا في شمال إفريقيا، أما الجريدة الفرنسية المؤيدة للسوريين آسيا العربيّة L’ Asie arabe فقد أدانت التخطيط الفرنسي للحرب على سوريا بوصفها حملة صليبية اختلقها اليسوعيون ورجال الدين بمساعدة اللوبيين والمتعصبين البارزين الذين حرفوا السياسة الفرنسية بتصويرهم سوريا بلدًا مسيحيًّا يسعى إلى التحرر من النير المسلم.

بدأت القوات الفرنسية، خلال أشهر قليلة، بالزحف من لبنان إلى دمشق بعد إنذار غورو (Henri Gouraud)، ووقعت معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو سنة 1920، وفي اليوم التالي للمعركة دخلت القوات الفرنسية دمشق بقيادة غورو، فكان أول أعماله: نفي الملك فيصل، وحلّ المؤتمر السوري العام/المجلس النيابي، وإلغاء الدستور، وتفكيك الجيش العربي، ثمّ تقسيم البلاد في أيلول/ سبتمبر سنة 1920 إلى كيانات منفصلة على أساس طائفي: (دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة جبل الدروز، ولبنان الكبير)، وكانت كلمة (العربيّة) هي العدو الأول لفرنسا في اسم الدولة السوريّة، ولذلك لم يكن حذفها حذفًا تقنيًا بل سياسيًا، فالتشكيك بوجود أمة عربيّة في سوريا كان جزءًا من خطاب رسمي فرنسي آنذاك.

وبعد خمس سنوات اندلعت الثورة السوريّة الكبرى (1925–1927)، فاضطرت فرنسا، بعد قمعها، إلى تقديم تنازل سياسي، فوافقت على إجراء انتخابات جمعية تأسيسية لوضع دستور للبلاد، فأُجريت سنة 1928 انتخابات الجمعية التأسيسية، وبعد انتخابها وضعت دستورًا للبلاد، وقدّمته للمندوب السامي الفرنسي هنري بونسو (Henri Ponsot) غير أنّه لم يقبله، وعطّل الجمعية ثمّ حلّها، وظلّ الحال كذلك إلى سنة 1930، حين أصدر هذا المندوب دستورًا معدّلًا استنادًا إلى صلاحياته وإلى صكّ الانتداب، وفي هذا الدستور تظهر المواد التأسيسية الثلاث الأولى للدولة السوريّة كما يلي:

المادة الأولى: سورية دولة مستقلة ذات سيادة لا يجوز السماح بأيِّ جزءٍ كان من أراضيها.

المادة الثانية: سورية وحدة سياسيّة لا تتجزأ.

المادة الثالثة: سورية جمهوريّة نيابيّة دين رئيسها الإسلام، وعاصمتها مدينة دمشق.

وهكذا حُذفت كلمة (العربيّة) من التوصيف الماهوي للدولة السوريّة، وعلى الرغم من أن الانتداب الفرنسي أسقط هذه الكلمة في دستور 1930، فإنّها ظلت حيّة في الخطاب الوطني، وعادت بقوة بعد الاستقلال عام 1946، ثمّ تجدّد تثبيتها في دستور 1950 حين انتُخبت جمعيّة تأسيسيّة أواخر عام 1949، لتتولى مهمتين: وضع دستور جديد، وانتخاب رئيس للجمهوريّة.

انتخبت الجمعيّة هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهوريّة في كانون الأول/ ديسمبر عام 1949، بوصفه شخصيّة توافقيّة ذات شرعية وطنية تعود إلى عهد التأسيس السوري الأول، وكتبت دستورًا يجمع السوريون على أنه من أفضل الدساتير السوريّة. ونصت المادة الأولى منه على ما يلي:

المادة الأولى:

1- سورية جمهوريّة عربيّة ديمقراطيّة نيابيّة ذات سيادة تامة.

2- وهي وحدة سياسيّة لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها.

3- والشعب السوري جزء من الأمة العربيّة.

لقد جاءت تسمية الدولة بــ (العربيّة) في لحظة تثبيت الاستقلال السياسي بعد انتهاء الانتداب الفرنسي، بعيدًا عن أي نزاعٍ داخلي أو توجّهٍ إقصائي تجاه فئة بعينها، فقد أرادت النخبة الدستوريّة آنذاك أن تعلن هويّة الدولة في محيطها الإقليمي والثقافي، وأن تؤكِّد انتماءها العربي في مواجهة مرحلة استعمارية حاولت تجريد الوطن من بعده الواقعي القومي، وبهذا المعنى، كانت التسمية فعلَ تعريفٍ سياديٍّ للذات، لا أداة إقصاء للآخر.

عاشت سوريا بعد عام 1950 فترة استقطاب حاد بين المعسكرين الدوليين العالميين في مرحلة الحرب الباردة، وحدث انقلاب الشيشكلي على هاشم الأتاسي سنة 1951، ثمّ أُطيح به وأُعيد الأتاسي، ثمّ خلفه شكري القوتلي عام 1955، وبعد تأميم قناة السويس سنة 1956 غدا جمال عبد الناصر رمزًا عربيًا عابرًا للحدود المصرية، فانطلقت الأصوات في دمشق وحلب تطالب بالوحدة. أما ضباط الجيش فرأوا في هذه الوحدة مظلة استقرار في مواجهة الانقلابات والتجاذبات الدولية، وأما عموم أفراد الشعب فرأوا فيها تحقيقًا لوعد مؤجَّل منذ سقوط الحكم الفيصلي. وهكذا أُعلنت الجمهوريّة العربيّة المتحدة في 22 شباط سنة 1958 بعد استفتاء سريع جرى في الدولتين.

كان هذا الانتقال امتدادًا لأحد خيوط التأسيس، فقد كانت كلمة (العربيّة) إطارًا ذهنيًا حاضرًا في الوجدان الشعبي والسياسي، وبرزت مرة أخرى، بعد جلاء الاستعمار الذي جهد في محوها، حين توفرت لحظة إقليمية بدا فيها أنّ التاريخ يمنح فرصة لتجسيدها. وبقيام الوحدة أُلغِي دستور 1950، وأُعلن دستور مؤقت في 5 آذار/ مارس سنة 1958، وجاء في مادته الأولى: “الدولة العربيّة المتحدة جمهوريّة ديمقراطيّة مستقلة ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمّة العربيّة”.

استمرت الوحدة ثلاث سنوات وسبعة أشهر، ثمّ حدث الانفصال الذي أنهاها في 28 أيلول/ سبتمر سنة 1961 بانقلابٍ عسكري في دمشق بقيادة عبد الكريم النحلاوي، وصدر في 5 كانون الأول/ ديسمبر سنة 1961 دستور مؤقَّت كان قصيرًا جدًا (8 مواد فقط)، ونصّت المادة الأولى على ما يلي: “الجمهورية العربيّة السورية دولة مستقلة ذات سيادة وهي جزء من الوطن العربي الكبير”، ثمّ توالت بعد ذلك خمسة دساتير سنة1962 و1964 و1969 و1973 و2012 وثبّتت جميعها بموادها الدستوريّة الأولى اسم الدولة السوريّة بوصفها الجمهوريّة العربيّة السوريّة.

أما في مصر فظلّ اسم الدولة الجمهوريّة العربيّة المتحدة إلى وفاة عبد الناصر، وفي عهد أنور السادات سنة 1971، صدر دستور جديد غيّر الاسم رسميًا إلى جمهوريّة مصر العربيّة.

نخلص من كل ما سبق إلى أنّ كلمة (العربيّة) لم تكن إضافة مقحمة أضافها حزب البعث، كما رُوّج لذلك، ولم تأتِ على سبيل مزاودة الانفصاليين الذين انقلبوا على جمال عبد الناصر، كما ادعى الأستاذ حازم صاغية أكثر من مرة.

جدل وأسئلة حول (العربيّة) في اسم سوريا:

أنتجت التحولات التي شهدتها سوريا بعد عام 2012 نقاشًا متصاعدًا حول دلالة توصيف (العربية) في الاسم الرسمي للدولة، ولا سيما في المناطق التي خضعت لسيطرة تنظيم قوات سوريا الديمقراطية ذي الغالبية الكردية (قسد)، فبرز اتجاه يسعى إلى إعادة تعريف الهوية السياسية والثقافية للدولة انطلاقًا من رؤية أحادية لا تستند إلى توافق وطني شامل.

وقد تجلّى ذلك في ممارسات رمزية وإدارية، فشُطبت كلمة (العربية) من لوحات بعض الدوائر الرسمية العامة، بما أوحى بمحاولة فرض تعديل على أحد أهم مكونات الاسم الرسمي للدولة خارج الأطر الدستورية والمؤسسية، وتحويله إلى أمر واقع.

ويُفهم هذا التوجّه، في أحد أبعاده، إعادةَ إنتاج مرجعية قومية بديلة تعبّر تحت عنوان التعدد أو تجاوز القومية الأحادية، وهذا المسار قد يثير إشكالًا جوهريًا عن ازدواجية المعايير، إذ يعترض بعضهم على توصيف قومي قائم، مقابل إعادة إنتاج توصيفات هوياتية أخرى ضمن فضاء السلطة المحلية، وبذلك لا يقتصر الأمر على خلاف دلالي حول التسمية، بل يتصل بصراع أعمق حول من يمتلك حق تعريف الدولة ورموزها، وحدود مشروعية إعادة صياغة هويتها خارج إطار الإرادة الوطنية الجامعة.

لقد كان في سوريا عند التأسيس أقليات عرقية عديدة، من كرد وتركمان وأرمن وشركس وسواهم، وكان لهم حضور اجتماعي واضح، ولا تسجّل الوثائق اعتراضًا منهم على وصف (العربيّة) في إعلان المملكة السوريّة العربيّة. وفي المقابل لم يدر في خلد مؤسِّسي الإعلان ومطلقيه أنّه سيعني نفيًا لوجود الأقليات، لأنّ همّهم الأكبر آنذاك كان تقديم صيغة جامعة تعبّر عن هويّة البلد في مواجهة مشاريع التقسيم، اتّباعًا للمبدأ الجلي الواضح في نشوء الدول الحديثة: الاسم يُعبّر عن الغالبيّة التاريخيّة التي أسّست الدولة.

لقد أدرك أولئك المؤسِّسون أنّ وصف الدولة بالسوريّة فقط لا يعكس عمليًا الإطار السياسي والثقافي الذي انطلقت منه الدولة، ولا يتضمن الإشارة إلى السياق التاريخي الذي شكّل الدولة نفسها وفضاءها العام، لذلك جاءت كلمة (العربيّة) في محلها.

وقد يُحاجج في أنّه إذا كانت دولة كفرنسا وألمانيا لا تضيف نسبة قوميّة إلى اسمها فلماذا تُضاف (العربيّة) إلى سوريا؟ غير أنّ هذه المقايسة تتجاهل فارقًا أساسيًا، ففرنسا وألمانيا اسمان مشتقان أصلًا من جماعات تاريخية مؤسِّسة، فالبعد القومي كامن في الاسم نفسه، أما (سوريا) فاسم إقليم تاريخي لا يدل بذاته على الجماعة الكبرى ذات الأغلبيّة المطلقة، وعندما يكون الاسم جغرافيًا محضًا تظهر الحاجة أحيانًا إلى توصيف يعبّر عن هويّة التأسيس، فيُذكر هذا التوصيف لتحديد المرجعية الثقافيّة ــ السياسيّة التي قامت عليها الدولة لحظة نشوئها، وهو ما يتوافق مع دراسات عن القومية والتاريخ، منها كتاب (المجموعات المتخيلة) لعالم السياسة الأيرلندي بندكت أندرسون، الصادر سنة 1983. وكتاب إرنست غيلنر، عالم الاجتماع والإناسة البريطاني (الأمة والقومية) المنشور سنة 1983.

الوطنية السوريّة بلا كلمة (العربيّة) مسألة تعريفيّة بلا جذور تاريخيّة، ولا سياق ثقافي، وقابلة لإعادة التفسير بحسب مصالح جماعة أو فئة. وكلمة (العربيّة) تجعل الوطنيّة السوريّة محدَّدة، متجذِّرة في لحظة التأسيس، جامعة بين أغلبيّة المواطنين، ومعبّرة عن هويّة الدولة وثقافتها منذ ميلادها.

إنّ وجود جماعات غير عربيّة في سوريا حقيقة لا يمكن إنكارها، غير أنّ تحويل هذا الواقع إلى ذريعة للمطالبة بإعادة تعريف الدولة بما يفقدها ماهيتها التاريخية ينطوي على خلطٍ بيّن. ويمكن الاستناد هنا إلى تجارب الدول العديدة، ومنها التجربة الألمانيّة، التي تُظهر بوضوح أنّ الجماعات التي استقرت فيها منذ أكثر من قرن أو حتى عدة قرون، مثل البولنديين والفرنسيين والروس، لم تطعن في اسم الدولة Deutschland، ولم تطالب بتغييره، على الرغم من أنّه يعني حرفيًا أرض الألمان، بل هناك أيضًا أقلّيّات تاريخية ضاربة في القدم، كالدنماركيين/Dänen، والفريزيين/Friesen، تلك المجموعة الإثنية المميزة بلغتها الخاصة (الفريزية)، وتاريخها المستقل نسبيًا، وشعورها العميق بهويّة محلّيّة خاصة، ومع ذلك، لم تساجل أو تجادل في أيِّ مطالبة بتغيير اسم الدولة، بحجة أنّها أرضهم التاريخية أيضًا، وأنّهم لا يجدون أنفسهم في تسمية الدولة، وهم لا يطالبون كذلك بتغيير كلمة (الألمانية) في وثاقهم الرسمية التي تحدد جنسيتهم بحجة أنّهم ليسوا بألمان، يعني ذلك كله أن الأقليات التاريخية داخل ألمانيا لم تُعرّف علاقتها السياسية بالدولة بالاعتراض على الاسم، بل بالاندماج في الإطار القانوني والمؤسساتي للدولة الوطنية. أي أن الدولة القومية تُحوِّل الأسماء القديمة إلى “أطر سياسية مستقرة”، مثلما يوضح عالم الاجتماع الأمريكي روجر بروبيكر في كتابه المعنون (إعادة تأطير القومية…) الصادر سنة 1996. لأن التسمية تعبّر عن الإطار التاريخي الذي يمثّل الغالبية العظمى.

غير أن الدفاع عن الجذر التاريخي للتسمية يحتاج إلى مواجهة الذاكرة الثقيلة التي التصقت بالقوميّة العربيّة في سوريا الحديثة. فكثير من الاعتراضات الراهنة تأتي من تجربةٍ لاحقةٍ ارتبطت بالقسر والتمييز وانتهاك الحقوق، خاصةً في علاقة الدولة البعثية بالأقلية الكرديّة. من أبرزها تجريد جزء من الأكراد من الجنسية في إحصاء الحسكة سنة 1962، إضافة إلى قيود تشتدّ وتضعف، بحسب المنطقة، على بعض مظاهر التعبير الثقافي واللغوي.

لذا فإن نقاش تسمية الدولة، وليس نقاش سياساتِ حزبٍ حاكم مستبد هو ما قد يحتاج نقداً ومراجعةً. إذ ينصب الحديث على لحظة تأسيسٍ تاريخية، وعن السياق السياسي والثقافي الذي ولدت فيه الدولة، وعن هويّة اختيرت حينها لتكون عنواناً جامعاً لوحدة شعب متنوّع. ووَصفُ العربيّة في هذا الإطار لا يعني بالضرورة كما تبين تاريخياً، “ترسانة فروض وسلوكيّات”. فالأزمة ليست في الكلمة بذاتها، ولكن في طريقة إدارتها وقراءتها.

فالدعوة إلى حذف كلمة العربيّة من اسم الدولة السورية فيه خلل في الطرح، يخلط بين الرمزية التاريخية للهويّة التأسيسية، والأعمال المجحفة التي اتخذتها سلطة مستبدة. لأنَّ الانتماء العرقي لأية أقلّيّة لن يُلغى ببقاء العربيّة في الاسم. وحذف العربيّة لن يخلق هويّة سورية شاملة بالمعنى العملي، بل قد يزيل عنصراً أساساً في تعريف الدولة، ويضعف الرابط التاريخي الذي يجعلها جامعة.

ونحن نرى كثيرًا من المطالبين بحذف (العربيّة) لا تعني لهم سوريا شيئًا! مشاعرهم وأفكارهم تدور في فلك دولة قوميّة أخرى تقبع في مخيلتهم وأحلامهم وآمالهم، وهي أحلام وآمال مشروعة، ولكنّها لا تسوّغ مطالبتهم بتغيير الاسم القومي للبلد الذي يعيشون فيه، بينما هم ينامون ويستيقظون على حلم إنشاء دولة قوميّة أخرى عنوانها قومي وليس حياديًّا.

ويثير هذا الطرح سؤالاً افتراضياً عن العلاقة بين الاسم السياسي للدولة أو الإقليم وبين التعدد العرقي لسكانه. فهل يُفترض، مثلاً، أن يؤدي وجود عرب أو سريان أو تركمان في إقليم كردستان، الذي يعني أيضًا أرض الكرد، إلى المطالبة بتغيير اسمه لأنّهم لا ينتمون عرقيًّا للكرد؟ هل ينفع أن يطالبوا بتسميته تسميةً محايدة فيُقال مثلًا أرض الجبال حتى تضمّ جميع الأطياف بلا استثناء، وتدل عليهم جميعًا بدلالة واحدة؟ وبالمقارنة مع تجارب الدول الحديثة، فإن الأسماء السياسية، بما فيها ذات الطابع القومي أو التاريخي، لا تُفهم عادة تعريفاً حصرياً للانتماء العرقي، بل إطاراً سيادياً قانونياً للدولة أو الإقليم.

الإشكال في هذا الإطار لا ينشأ من التسمية في ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى المساواة في الحقوق والاعتراف السياسي. إذ تتحول التسمية إلى مشكلة فقط حين تقترن بإقصاء فعلي أو انتقاص من المواطنة. وفي هذا الفهم تماهٍ مع ما يعرضه الفيلسوف السياسي الكندي ويل كيمليكا، في كتابه (المواطنة متعددة الثقافات) الصادر سنة 1995، منوهاً إلى أن معيار العدالة ليس الاسم، بل الحقوق داخل الدولة.

يبقى الثابت أنّ كلمة العربية وجدت في لحظة التخلّق الأولى، وإبقاؤها يكسب السوريين حماية الهوية التأسيسية التي راعت جميع الفئات السورية تحت الهوية الثقافية اللغوية الأوسع والأشمل، لكن إذا شُطبت هذه العربية من اسم الدولة ودستورها فقد يؤدي ذلك أولًا إلى فقدان الإطار التاريخي والسياسي للدولة، وهذا الفقدان يعطي انطباعًا أنّ الدولة الجديدة تأسّست على فراغٍ لغويٍّ أو ثقافي، مما يمحو سياق التأسيس، ويجعل اسم الدولة مجرد جغرافيا بلا رابط ثقافي ــ سياسي واضح، لأنّ كلمة سوريا وحدها لا تعطي مؤشرًا على الأصل الثقافي والسياسي للدولة، وثانيًا: يضعف غياب (العربيّة) الرابط التاريخي بين مواطنيها، ويؤدي إلى الفوضى، وشطب (العربيّة) تحت شعار إرضاء الأقلّيّات قد يفتح الباب لمطالبات متكرِّرة بإعادة تعريف الدولة كلما ظهرت حساسية جديدة، وهذا يربك الاستقرار، ويضعف الإطار الوطني الجامع. وها نحن اليوم نرى بأمّ أعيننا كيف ظهرت فجأة تسميات جغرافية في الوطن نفسه لم تكن موجودة بتاتًا قبل سنة 2012 ونشهد مطالبات انفصاليّة إن تحقّقت تلغي وجود (سوريا) نفسها قبل وجود (العربيّة)!

إنّ شعور الانتماء لا يرتبط بشطب وصفٍ يشير إلى قوميّة أغلبيّة السكان، بل بتطبيق الحقوق الدستوريّة للأقليّة والأكثريّة على حدٍّ سواء دون انتقاص أو تمييز. قد يبدو هذا الشطب مغريًا من منظورٍ رمزي لأنّه يرضي أقلّيّةً من الأقلّيّات غير العربيّة، لكنّه في الواقع لن يزيد انتماء غير العربي، ولن يحسّن التعايش، وسيضعف الرابط التاريخي الأعم الذي أُقيمت عليه الدولة، ولنا أن نتساءل إذا نظرنا إلى الخمسين سنة الماضية: هل كان وضع مؤسسات الدولة أفضل لو أُزيلت كلمة (العربيّة) من اسمها؟ وهل كانت أجهزة الدولة ستغدو أقل استبدادًا؟ في العراق، على سبيل المثال، اسم الدولة: الجمهوريّة العراقيّة، لكن لم يؤدِّ ذلك إلى وضعٍ أفضل للأقلّيّات، ولا سيما في علاقة الدولة المركزي مع الكرد، ولم يمنعهم خلو اسم الدولة من كلمة (العربية) من المطالبة بالانفصال والتهيئة للاستفتاء حوله لدى أول فرصة. وهو ما تبين في الاستفتاء الكردي على الاستقلال سنة 2017. وينوه المؤرخ البريطاني تشارلز تريب في كتابه (تاريخ العراق) الصادر سنة 2000، أن جذور هذه التوترات تعود إلى طبيعة السياسات المركزية التي اتبعتها الدولة العراقية في مراحل مختلفة، لا سيما فترات الحكم البعثي. فقد ارتبطت هذه السياسات بأعمال قمعية وإعادة هندسة قسرية للعلاقة بين المركز والأطراف.

فالمشكلة لم تكن في التسمية أساسًا بل في سياسات حزب البعث الحاكم الذي انتهج الاستبداد والإقصاء بحقِّ الجميع دون استثناء، وفي الكرد أنفسهم الذين لم يؤمن بعضهم بالعراق وطنًا لهم، لذلك فإنّ شطب هذه الكلمة لا يعالج الاستبداد أو الإقصاء، ولا يلغي أحلام الانفصال، بل يشوّه فقط فهم جوهر المشكلة، ويحول دون معالجة الأسباب الحقيقية للمعاناة السياسيّة والاجتماعية التي تبسط ظلالها القاتمة على الجميع.

ومن اللافت هنا أنّ جمعيّة خويبون، في كتابها الصادر عام 1930 بعنوان: القضيّة الكرديّة: ماضي الكرد وحاضرهم، عرضت مقرّرات المؤتمر الكردي المنعقد سنة 1927، التي نصّت على “تأسيس العلاقات الأخوية والحُبّيّة الدائمة مع حكومتي العراق وسوريا، اكتفاءً بالحقوق التي منحتها صكوك الانتداب لأكراد هذين القطرين، دون المطالبة بحقٍّ سياسيٍّ إضافي خارج هذا الإطار”.

والدلالة هنا واضحة: الحركة القوميّة الكرديّة نفسها ميّزت، في تلك المرحلة المبكرة، بين المجال التركي وبين المجالين السوري والعراقي حيث قُبل إطار الدولة القائمة فيهما مع السعي إلى ضمان الحقوق ضمنه.

وهذا المعطى التاريخي يبيّن أنّ النقاش حول اسم الدولة السوريّة لم يكن جزءًا من الصراع القومي الكردي عند نشأة الدولة، بل إنّ الإشكال كان يتعلق بطبيعة الحقوق والمواطنة داخل الدولة، لا بتعريفها الاسمي. وهو ما يعزّز التمييز الضروري بين هويّة تأسيسية تعبّر عنها التسمية، وبين إدارة سياسيّة قد تصيب أو تخطئ في ضمان المساواة. تقول إليزابيث ف تومبسون: “كان هناك آلاف الأكراد يتحدثون العربيّة، وكانوا اجتماعيًا مميّزين عن سكان البادية والريف، ولكن لم تكن هناك حركة قوميّة كرديّة في سوريا، ولا توجد في السجلات عرائض مقدمة من الأكراد تعترض على إعلان سوريا كمملكة عربيّة، كما أنّه لا يوجد هناك إثبات على مناقشة حقوقهم في المؤتمر”.

يخلص هذا البحث، استنادًا إلى معطياته التاريخيّة، إلى نتيجةٍ حاسمة مفادها أنّ صفة (العربيّة) في اسم الدولة السوريّة تمثّل عنصرًا أصيلًا في تعريفها منذ لحظة نشأتها الدستوريّة، حين سعت النخبة المؤسِّسة إلى بلورة هويّة سياسيّة جامعة تعبّر عن الإطار الثقافي–اللغوي الغالب الذي احتضن مختلف أفراد الشعب، دون أن تنطوي على إقصاء أو نفي للتعدّد داخل المجتمع.

كما يُظهر المسار التاريخي أنّ محاولات طمس هذه الصفة، منذ عهد الانتداب الفرنسي، ارتبطت في كثير من الأحيان بإعادة تشكيل المجال السياسي بما يخدم تصوّرات خارجيّة أو مشاريع تفكيكيّة، في حين ظلّت (العربيّة) حيّة في الوجدان الوطني وفي الخطاب السياسي إلى أن أُعيد تثبيتها دستوريًا بعد الاستقلال. وهذا الاستمرار لا يُفهم إلا بوصفه دلالة على رسوخها في معنى الدولة، لا مجرّد بقايا خطابٍ عابر.

غير أنّ التمييز يظلّ ضروريًا بين الهويّة التأسيسيّة للدولة من جهة، والممارسات السياسيّة التي عرفتها في مراحل لاحقة من جهة أخرى. فالإخفاقات التي شهدتها سوريا، ولا سيما في ظلّ الأنظمة الاستبداديّة، لا يمكن ردّها إلى التسمية، بل إلى طبيعة السلطة وآليات إدارتها للمجتمع. ومن ثمّ، فإنّ الخلط بين الرمز التأسيسي ومآلاته المشوّهة يُفضي إلى معالجةٍ خاطئة للمشكلة، حين تُنقض الدلالة التاريخية بدلاً من أن تُنقد الممارسة السياسية.

إنّ الحفاظ على صفة (العربيّة) لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع الإقرار بالتعدّد القومي والثقافي، ولا ينتقص من حقوق أيّ أقلية، ما دامت هذه الحقوق مصونة ضمن إطار دستوري عادل، كما أنّ حذفها لا يُنتج تلقائيًا هويّةً أكثر شمولًا، بل يفضي إلى إضعاف الرابط التاريخي الذي شكّل أساس الاجتماع السياسي، ويفتح الباب لإعادة تعريفٍ مستمرّ للدولة تبعًا لموازين القوى والهويّات الجزئيّة.

وعليه، فإنّ النقاش حول اسم الدولة ينبغي ألّا يُختزل في مستوى الرمزيّة، بل أن يُدرج ضمن سؤالٍ أعمق يتعلّق بطبيعة الدولة نفسها: دولةٍ تستند إلى تاريخها التأسيسي، وتُعيد في الوقت ذاته بناء عقدها الاجتماعي على قاعدة المواطنة المتساوية.

وخلاصة القول: إنّ صفة (العربيّة) وُضعت في صلب تعريف الدولة منذ لحظتها الدستوريّة الأولى، وقُرنت (العربيّة) بالاستقلال ووحدة الأرض في تعريفٍ واحدٍ للشرعية السياسيّة. وهذا يعني أنَّ (العربيّة) لم تُقحم على الدولة في مرحلة أيديولوجية لاحقة، ولم تُستولد من مزايدات حزبية، لذلك فإنَّ الدعوة اليوم إلى حذف الصفة تعيد فتح سؤال التأسيس نفسه: ما الإطار السياسي الذي عرّف الدولة عند نشأتها؟ وأي معنى للدولة يبقى إذا فُصل تعريفها الراهن عن جذورها الدستوريّة التأسيسية الأولى! 

نشر في مجلة الفراتس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top